محمد ابو زهره
600
خاتم النبيين ( ص )
ولقد كان النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم حريصا على أن يدعوهم إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة ، تاركا ما يعرف من أن قلوبهم تنضح بالحقد يبدو على ألسنتهم ، فالداعى إلى الحق لا ينى عن الدعوة إليه ، ولو كان من يدعوه يهوديا لا يؤمن بشئ ، ولا يرضى إلا بالخبال للمؤمنين . التقى بهم رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم بسوق قينقاع فحدثهم حديث الجار لجاره الذي عاهده يدعوه إلى الرشد ، قال عليه الصلاة والسلام لهم : « يا معشر يهود ، احذروا من اللّه مثل ما نزل بقريش من النقمة ، وأسلموا ، فإنكم قد عرفتم أنى نبي مرسل ، تجدون ذلك في كتابكم ، وعهد اللّه تعالى إليكم » فأجابوا هذا الحديث الرشيد الودود بكلام فيه جفوة وحدة قائلين : يا محمد ، إنك ترى أنا قومك ، لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب ، فأصبت منهم فرصة ، وإنا واللّه لئن حاربناك لتعلمن أننا الناس . لقى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ذلك الجواب المرعد المنذر بالإغضاء ، فما كان يحارب المعتدى بالقول ، ولكن كان يحارب الفعال . وذكر ابن إسحاق أن اللّه تعالى قد أجاب عنه بقوله سبحانه وتعالى : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ . قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ ( آل عمران - 13 ) . وهذه الرؤية المضاعفة كانت حال اللقاء في الحرب ، إذ كانوا يرون أنفسهم رأى أعينهم مثل المؤمنين ، واللّه تعالى هو الذي يؤيد بنصره من يشاء قلة كانوا أو كثرة ، وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن اللّه . . ولكن بنى قينقاع لم يقفوا عند حد القول ، في بث روح التفرقة والشك في أنفسهم ، بل انتقلوا من الإساءة بالقول إلى الإساءة بالفعل ، وهم على كثب من المسلمين ، وكانوا يجاهرون بنقض العهد وأنهم لا يحترمونه ، ويتناولون النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم والمؤمنين بالذم ، والأذى . ولقد قال ابن إسحاق : إن امرأة من المسلمين قدمت تبيع في سوق بنى قينقاع ، وجلست إلى صائغ ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت ، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها ، فلما قامت انكشفت سوءتها فضحكوا بها ، فصاحت ، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ الماجن فقتله ، وكان يهوديا ، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه ، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فغضب المسلمون ، فكان الشر بينهم وبين بنى قينقاع .